القرطبي
52
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لأنها بقعة يعصى الله ويكفر به فيها ، وليس كذلك المقبرة . وقد وردت السنة باتخاذ البيع والكنائس مساجد . روى النسائي عن طلق بن علي قال : خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا معه ، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا ، وذكر الحديث . وفيه : " فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم واتخذوها مسجدا ) . وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم . وقد تقدم في " براءة " . وحسبك بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أسس على التقوى مبنيا في مقبرة المشركين ، وهو حجة على كل من كره الصلاة فيها . وممن كره الصلاة في المقبرة سواء كانت لمسلمين أو مشركين الثوري أجزأه إذا صلى في المقبرة في موضع ليس فيه نجاسة ، للأحاديث المعلومة في ذلك ، ولحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا " ، ولحديث أبى مرثد الغنوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها " . وهذان حديثان ثابتان من جهة الاسناد ، ولا حجة فيهما ، لأنهما محتملان للتأويل ، ولا يجب أن يمتنع من الصلاة في كل موضع طاهر إلا بدليل لا يحتمل تأويلا . ولم يفرق أحد من فقهاء المسلمين بين مقبرة المسلمين والمشركين إلا ما حكيناه من خطل القول الذي لا يشتغل بمثله ، ولا وجه له في نظر ولا في صحيح أثر . وثامنها ( 2 ) - الحائط يلقى فيه النتن والعذرة ليكرم فلا يصلى فيه حتى يسقى ثلاث مرات ، لما رواه الدارقطني عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحائط يلقى فيه العذرة والنتن قال : " إذا سقى ثلاث مرات فصل فيه " . وخرجه أيضا من حديث نافع عن ابن عمر أنه سئل عن هذه الحيطان التي تلقى فيها العذرات وهذا الزبل ، أيصلى فيها ؟ فقال : إذا سقيت ثلاث مرات فصل فيها . رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم . اختلفا في الاسناد ، والله أعلم .
--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 254 فأبعد . ( 2 ) أراد ثامن المسائل التي استنبطها الفقهاء . والحائط الحديقة .